محمد حسين علي الصغير
257
المبادئ العامة لتفسير القرآن الكريم
ملحظ بلاغي آخر يفيد الحصر ، وقصر العبادة عليه ، وتخصص الاستعانة به وفي ذلك مدرك بلاغي ثانوي مضاف إلى المدرك البلاغي الأولي ، وذلك أن تقديم الضمير المنفصل هنا قد قصر العبادة على اللّه والاستعانة به في مجال الاثبات ، وأفاد عدم العبادة لغيره في مقام النفي ، فكأن التوجه في جزء هذه الآية في تصور تفسيري ينطق هكذا ، نعبدك ونستعينك ، ولا نعبد غيرك ولا نستعين بسواك ، فأصبح هذا الحصر دالا على النفي والاثبات في آن واحد . ومسألة الالتفات في القرآن الكريم كان مثار استغراب وتساؤل طائفة من المستشرقين ممن لم يهتدوا إلى تفسير هذه الظاهرة البيانية . فالمستشرق الألماني الدكتور نولدكه ( 1836 م - 1930 م ) في الوقت الذي يعجب فيه بسحر القرآن البلاغي وإعجازه البياني ، نراه في بحثه عن القرآن وأسلوبه في دائرة المعارف البريطانية تحت مادة قرآن : يشير إلى كثرة انتقال القرآن في خطاباته من صيغة إلى أخرى ، ومن حال إلى حال ، فمن غيبة إلى خطاب ، ومن ظاهر إلى مضمر وبالعكس ، وأعتبر ذلك مجالا للتجريح ، وأن رأي كل عالم أوروبي في القرآن بعد الإمعان والتصفح بروح الانصاف يأخذ عليه هذه الثغرات ، والحق أن نولدكه قد تطرف كثيرا في هذا الوجه ، كغيره ممن يعكس وجهة نظرهم هذه ، ومردّه مع حسن الظن به يعود إلى عدم تمرسه في ضروب البلاغة العربية التي لا يدرك أبعادها إلا العرب الأقحاح « 1 » . 4 - عبّر القرآن الكريم عن الدين الحنيف ب الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ وهذا التعبير هو الصميم الخالص من الاستعارة ، ومن أبلغ وجوهها عند البلاغيين ، وحده أن يكون الشبه الاستعاري مأخوذا من الصور العقلية ، فهنا قد استعار الصراط وهو أمر حسي ، إلى الدين وهو أمر مجرد عقلي ، فعبر عن العقلي بالحسي ، قال عبد القاهر ( ت : 471 ه ) : « وأعلم أن هذا الضرب هو المنزلة التي تبلغ عندها الاستعارة غاية شرفها ، ويتسع لها كيف شاءت : المجال في تفننها وتصرفها ، وهاهنا تخلص لطيفة روحانية فلا
--> ( 1 ) ظ : المؤلف ، المستشرقون والدراسات القرآنية : 31 .